السيد علي عاشور
91
موسوعة أهل البيت ( ع )
ومن أحسن ما قيل في المقام : أنّ تلك الظواهر دالّة على عظم شأنهم وعلو مرتبتهم ، إذ معاتبة الحكيم لهم على تلك الأفعال التي هي في الحقيقة لا توجب العصيان والمخالفة ، دليل على أنّهم في محلّ يقتضي تلك المعاتبة تنزيها لهم وتفخيما لأمرهم وتعظيما لشأنهم عن ملابسة ما لا يليق بمراتبهم ، إذ هم دائما في مرتبة الحضور الموجبة لعدم التفاتهم إلى غير الحقّ ، وكان وقوع ذلك منهم في بعض الحالات أو مع شيء من الإشتغالات البدنية والإنجذاب في بعض الأحيان إلى الأمور الطبيعية والماديّة موجبا لتلك المعاتبة . وبالجملة أنّ الحجج الإلهيّة لمّا كانوا في نهاية القرب من اللّه تعالى وكمال الاتصال بجنابه وتمام الحضور إلى حضرته ، وكانوا أيضا مع تلك المرتبة الشامخة في العوائق والعلائق البدنيّة اللازمة للبشرية ، رين مع الرعية للإرشاد والتبليغ ، قد يعرض لهم في تلك الأطوار والشؤونات البشريّة أمور يعدّونها سيئات ، وإن لم تكن في الحقيقة بقبائح وسيئات فيتضرعون إلى اللّه تعالى بقولهم ربّنا ظلمنا أنفسنا ، أو سبحانك إنّي كنت من الظالمين . فإنّ المخلصين على خطر عظيم . وبذلك ظهر سرّ الحديث المروي عن رسول اللّه : حسنات الأبرار سيّئات المقربين « 1 » . ثمّ اعلم أنّ إبراهيم لما طلب الإمامة لبعض ذريته ، فكان يكفي في جوابه أن يقال : نعم ، مثلا ، لكنّه لمّا لم يكن نصا في أنّ الظالم لا ينال الإمامة ، لأنه كان يشمل حينئذ الظالم وغيره ، وكذا لو قال ينال عهدي المؤمنين مثلا ، لما كان أيضا نصّا في خروج الظالم ، غاية ما يقال حينئذ خروجه بالمفهوم فنصّ بالظالم لخروجه عن نيل عهد اللّه تعالى ، أعني الإمامة ، بقوله لا ينال عهدي الظالمين . كما نصّ أيضا بأنّ أمر الظالم ليس برشيد ، ومن اتبعه فجزاءه جهنم ، في قوله : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ * إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ « 2 » . ثمّ إنّ اللّه تعالى ذكر في كتابه العزيز كثيرا من صفات من جعله إماما للنّاس بقوله : 1 - لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ . فرتبة الإمامة ودرجة الولاية أعلى وأرفع من أن ينالها الظالم ، وبهذه الآية بيّن أيضا أنّ الإمام منصوب من عنده كما دريت . 2 - إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ « 3 » .
--> ( 1 ) زبدة البيان : 78 ، والبحار : 25 / 205 . ( 2 ) سورة هود ، الآية : 96 - 99 . ( 3 ) سورة النحل ، الآية : 120 - 122 .